جعفر الخليلي
294
موسوعة العتبات المقدسة
باشا العابد الرجل العربي السوري . . فيقول جورج أنطونيوس أن عزت پاشا العابد « 1 » ، وهو عربي سوري ، كان من المغامرين الذين استطاعوا أن ينالوا حظوة كبرى لدى السلطان عبد الحميد عن طريق الكيد والدس ، وقد قضى ثلاث عشرة سنة ( حتى سقوطه عام 1908 ) في خدمة السلطان بصفة سكرتير ثان . فاستطاع خلالها ان يصبح أقوى موظف في الإمبراطورية ، ولا يبزه في الثروة والخبث والنفوذ الا سيّده . ومع أن استانبول كانت في العهد الحميدي تعج بالدهاة فقد كان دهاء عزت باشا خارقا وطاغيا ، إذ جمع إلى المكر نشاطا وحركة ولكنه لم يخل في أعماقه من البلادة التي كثيرا ما تختفي وراء فكر جاد . أما ميزته البارزة فكانت في معرفة الصفات البشرية الدنيئة الكامنة في خلق الناس معرفة صحيحة لا تخطىء . وهذا هو سر نجاحه العجيب لأنه بهذه المقدرة استطاع أن يفهم جبن سيّده وغروره مع ادراك حقيقي للحد الفاصل بين هاتين الصفتين ، واحساس دقيق بمزاج السيد في ظروفه المختلفة . ولكنه في سره كان يحتقر عبد الحميد احتقارا تاما فسهل عليه التلاعب بعواطفه . ويعود اهتمامنا بسيرة عزت باشا هنا إلى سببين ، أحدهما عام ، والآخر خاص : أما السبب العام فهو أنه أصبح المحور الذي تدور حوله سياسة عبد الحميد العربية ، والسبب الخاص هو إنشاء سكة حديد الحجاز . ولدينا ما يشير إلى أن فكرة مد خط سكة حديد إلى الحجاز كانت من بنات أفكار عزت باشا ، وان كان يصعب الجزم بذلك . ومهما يكن من الأمر فقد كان هو الأداة الفعالة الرئيسية في تحقيق المشروع الذي يقضي بمد سكة الحديد من دمشق إلى المدينة فمكة ، وكان الغرض الظاهر منها تسهيل الحج بينما كان السبب الحقيقي يتعلق بعوامل سياسية وعسكرية .
--> ( 1 ) الص 73 - 75 في الأصل الإنكليزي ، والص 71 - 74 من الترجمة العربية التي ننقل النص هذا منها .